ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )
190
الامامة والسياسة
والقنوع بولايته ، والحرص عليه ، والاختيار له ، ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه ، وحسن بلائه ، فاجعله لنا بعدك خلفا ، فإنه أوسعنا كنفا ، وأقدمنا سلفا ، وهو رتق لما فتق ، وزمام لما شعب ( 1 ) ، ونكال لمن فارق ونافق ، وسلم لمن واظب ، وحافظ للحق ، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة ، والخيرة فيما أراد ، والتوطن في البلاد ، وصلاح أمر جميع العباد . ثم جلس . ما تكلم به عبد الله بن عصام قال : ثم قام عبد الله بن عصام ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، وأمتع به ، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية ، وأهواء منجذمة ( 2 ) نخاف هدها ، وننتظر جدها ، شديد منحدرها ، كثير وعرها ، شامخة مراقيها ، ثابتة مراتبها ، صعبة مراكبها ، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد ، لا يخلد في الدنيا أحد ، ولا يبقى لنا أمد ، وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك ، ومأخوذ بولايتك ، وأنت أنظر للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة ، وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا ، وأجمعها رضا ، فاقطع بيزيد قالة الكلام ، ونخوة المبطل ، وشغب المنافق ، واكبت به الباذخ ( 3 ) المعادي ، فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث ، فاعزم على ذلك ، ولا تترامى بك الظنون . ما تكلم به عبد الله بن مسعدة ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، وأمتع به . إن الله قد آثرك بخلافته ، واختصك بكرامته ، وجعلك عصمة لأوليائه ، وذا نكاية لأعدائه ، فأصبحت بأنعمه جذلا ، ولما حملك محتملا ، يكشف الله تعالى بك العمى ، ويهدي بك العدى ، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة ، وأحقهم بالخلافة بعدك ، قد ساس الأمور ، وأحكمته الدهور ، ليس بالصغير الفهيه ( 4 ) ، ولا بالكبير السفيه ، قد احتجن ( 5 )
--> ( 1 ) شعب : كسر وتفرق . ( 2 ) منجذمة : متقطعة . ( 3 ) الباذخ : المستعلي المتكبر . ( 4 ) الفهيه : العيي الذي لا يحسن الكلام . ( 5 ) احتجن المكارم : جمعها وحواها .